عبد الوهاب الشعراني

381

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

ما بين صمت واعتزال دائما * والجوع والسّهر النّزيه العالي فمن أخلّ بواحدة من هذه الأربعة لا يتم له حال في الطريق . فعلم أن من يريد العمل بهذا العهد يحتاج ضرورة إلى شيخ يسلك به حتى يفطمه عن شدة الميل إلى الشهوات ، ويصير هو يقهر شهوته ويحكم عليها وهناك يقل كلامه ضرورة ويتكدر ممن يكثر عنده الكلام بغير فائدة . فاسلك يا أخي على يد شيخ لتعمل بهذا العهد وإلا فمن لازمك الإخلال به ، واللّه يتولى هداك . وقد صحبت من رجال الصمت جماعة منهم شيخنا شيخ الإسلام زكريا والشيخ علي الخواص والشيخ محمد بن عنان والشيخ محمد المنير رحمهم اللّه ، فكان وقتهم عندهم أعز من الكبريت الأحمر ، وكل من تسلسل معهم في الكلام زجروه ولم يستحيوا منه ويقولون له قم ضيعت علينا الزمان . وسمعت شيخنا شيخ الإسلام المذكور يقول لقاض جاءه يسلم عليه ويهنئه بالشهر وزاد في الكلام : قم أنت رسول الشيطان إلينا ثم ضرب له بالجريدة على الأرض ، وقال : إن عدت تجيء على هذا الوجه أدبتك . وقرأت عليه شرحه على رسالة القشيري كاملا فما أظن أنني سمعت منه كلمة لغو خالية عن علم أو أدب ، وقد صحبته عشرين سنة وأنشدني يوما : احفظ لسانك أيّها الإنسان * لا يلذغنّك إنّه ثعبان كم في المقابر من قتيل لسانه * كانت تهاب لقاءه الشّجعان وسمعته يحكي عن الإمام الشافعي رضي اللّه عنه يقول : لا تتكلم بكلمة حتى تنظر لها محلا مشروعا ، فإن الكلمة كالسهم إذا خرج من القوس ، وإذا خرجت الكلمة منك ملكتك ولم تملكها . وسمعته رضي اللّه عنه يقول : حين قرأت عليه باب الصمت اعلم يا ولدي أن السلف الصالح ما ملكوا لسانهم إلا بكثرة الجوع ، وقد أخطأ هذا الطريق جماعة من الناس الذين لم يسلكوا الطريق على يد الفقراء ، وذلك أن الفقراء يدخلون إلى كل عمل من الطريقة الموصلة إليه وغيرهم لا يعرفون تلك الطريق ، فهم كمن يحفظ الدواء ولا يعرف ينزله على الداء ، فخذ يا ولدي الطريق عن أهلها فإني واللّه يا ولدي لما طلبت الطريق في مصر سافرت إلى سيدي محمد الغمري في المحلة الكبرى فتلقنت عليه الذكر وأقمت عنده أربعين يوما ، وحصل به خير عظيم ، فقلت له : يا سيدي أما كان في مصر أحد يرشد الناس ؟ فقال نعم ، كان الشيخ مدين موجودا ولكن كانت طريقته مستورة لا تكاد تميزه عن أبناء الدنيا في المآكل والملابس وقلة الأعمال الظاهرة ، وأنا كنت صغيرا جاهلا بالطريق وما كان عندي شيخ إلا كثير الجوع والعبادة والتقشف ، وكان سيدي محمد على هذا القدم ، هذا لفظه لي رحمه اللّه فاعلم ذلك وادخل لباب الصمت من دهليزه ، واللّه يتولى هداك . وروى الإمام أحمد والترمذي والطبراني وابن حبان في « صحيحه » مرفوعا : « عليك